we speak
خاطرة

بين ما نريده وما تمنحنا الحياة

بقلم Emad Haweel

5.0 · 2 تقييم
هناك لحظة يمر بها كل إنسان، مهما بدا قويًا أو واثقًا من نفسه، يقف فيها أمام نافذته أو يجلس في زاوية هادئة، ويسأل سؤالًا بسيطًا يبدو سهلًا، لكنه يحمل في داخله أثقل المعاني: هل أنا في المكان الذي كنت أحلم به؟ لا يأتي هذا السؤال بدافع الندم دائمًا، بل بدافع التأمل. فالحياة لا تسير كما نرسمها على الورق، ولا تمنحنا كل ما نريده في الوقت الذي نريده. إنها تسير بإيقاعها الخاص، تعلمنا أن بعض الأمنيات تحتاج إلى وقت، وأن بعض الطرق الطويلة هي وحدها التي تقود إلى الأماكن الصحيحة. في صغرنا، كنا نظن أن السعادة محطة نصل إليها ثم نبقى فيها إلى الأبد. كنا نعتقد أن الحصول على وظيفة، أو شراء منزل، أو تحقيق حلم معين، سيكون نهاية الرحلة. لكننا حين نكبر نكتشف أن الحياة ليست مجموعة أهداف تنتهي بتحقيقها، بل سلسلة من اللحظات التي نصنع فيها أنفسنا. فكل تجربة، سواء كانت جميلة أو مؤلمة، تترك في داخلنا شيئًا جديدًا، وتجعلنا أشخاصًا مختلفين عما كنا عليه بالأمس. الغريب أن أكثر الأشياء التي غيرتنا لم تكن تلك التي خططنا لها، بل تلك التي جاءت دون موعد. لقاء عابر مع شخص غريب، كلمة سمعناها في وقت كنا نحتاج إليها، كتاب وقع بين أيدينا صدفة، أو حتى خسارة ظننا أنها نهاية العالم، فإذا بها بداية لطريق جديد لم نكن لنسلكه لولاها. عندها ندرك أن الحياة تعرف أحيانًا ما لا نعرفه نحن، وأن ما نعتبره تأخيرًا قد يكون حماية، وما نعتبره خسارة قد يكون نجاة. نتعب كثيرًا لأننا نقارن حياتنا بحياة الآخرين. ننظر إلى صورهم، إلى نجاحاتهم، إلى ما يملكونه، وننسى أن لكل إنسان معركته الخاصة التي لا يراها أحد. لا أحد ينشر لحظات ضعفه، ولا الليالي التي قضاها قلقًا، ولا الدموع التي أخفاها خلف ابتسامته. لذلك، فإن المقارنة ليست عادلة أبدًا، لأنها تقارن واقعنا الكامل بجزء صغير يختاره الآخرون ليعرضوه. ومع مرور الأيام، نتعلم أن راحة البال ليست في امتلاك كل شيء، بل في الرضا بما لدينا والسعي لما نطمح إليه دون أن نفقد أنفسنا في الطريق. فالطموح جميل، لكنه يصبح عبئًا عندما يجعلنا نؤجل سعادتنا إلى أجل غير معلوم. كم من شخص قال لنفسه: سأرتاح عندما أنجح، أو عندما أجمع المال، أو عندما أصل إلى المكانة التي أريدها. ثم وصل، فاكتشف أن هناك هدفًا آخر ينتظره، وأن الركض لا ينتهي. لذلك، ربما تكون الحكمة الحقيقية أن نتعلم كيف نفرح بالطريق، لا فقط بالوصول. الحياة تعلمنا أيضًا أن الناس يتغيرون، وهذا ليس دائمًا أمرًا سيئًا. فبعضهم يبتعد لأن ظروفه تبدلت، وبعضهم ينضج فتتغير أولوياته، وبعضهم يختار طريقًا مختلفًا. ليس كل ابتعاد خيانة، وليس كل نهاية تعني أن البداية كانت خطأ. أحيانًا تنتهي العلاقات لأنها أدت دورها في مرحلة معينة، ثم جاء وقت الرحيل. وما يبقى بعد ذلك هو الذكريات والدروس، لا الغضب ولا اللوم. ومن أجمل ما نتعلمه مع الزمن أن التسامح هدية نقدمها لأنفسنا قبل أن نقدمها للآخرين. فالحقد يشبه حمل حجر ثقيل في رحلة طويلة؛ لا يؤذي إلا من يحمله. أما حين نسامح، فإننا لا نمحو ما حدث، بل نختار ألا نسمح له بأن يسرق ما تبقى من أعمارنا. إنها شجاعة لا يملكها إلا من أدرك أن القلب لا يتسع للحب والكراهية معًا. ولعل أكثر ما يرهق الإنسان هو خوفه من المستقبل. نفكر كثيرًا فيما قد يحدث، ونبني في عقولنا مئات الاحتمالات، حتى ننسى أن نعيش يومنا. بينما الحقيقة أن أغلب ما أقلقنا يومًا لم يحدث أصلًا، وأن كثيرًا من الأزمات التي خفنا منها مرت بسلام. لذلك، فإن الطمأنينة ليست في معرفة الغد، بل في الثقة بأننا سنستطيع التعامل معه حين يأتي. هناك جمال خفي في التفاصيل الصغيرة التي اعتدناها حتى لم نعد نلاحظها. رائحة المطر الأولى، صوت الأذان عند الغروب، ضحكة طفل، رسالة من صديق قديم، كوب قهوة في صباح هادئ، أو جلسة عائلية لا يتحدث فيها أحد عن العمل أو المشاكل. هذه اللحظات تبدو بسيطة، لكنها هي التي تصنع ذاكرة العمر، وهي التي نفتقدها أكثر من أي إنجاز مادي حين تمر السنوات. ومهما قست الحياة، فإنها لا تخلو من فرصة جديدة. كل صباح يحمل احتمالًا مختلفًا، وكل نهاية تفتح بابًا لبداية أخرى. لسنا مطالبين بأن نكون كاملين، ولا بأن ننجح في كل مرة، بل يكفي أن نستمر، وأن نتعلم، وأن نحاول مرة أخرى كلما تعثرنا. فالفشل ليس السقوط، بل الاستسلام بعد السقوط. وفي نهاية المطاف، لن يتذكر الناس كم كان في حساباتنا البنكية، ولا عدد المناصب التي وصلنا إليها، ولا حجم الشهرة التي حققناها. سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون، وكيف وقفنا إلى جانبهم عندما احتاجوا إلينا، وكيف كانت كلماتنا بلسمًا في أيامهم الصعبة. فالأثر الطيب هو العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها مع الزمن. لذلك، عش حياتك بقلب مطمئن، وامضِ في طريقك بثبات، ولا تخف إن تأخرت بعض أحلامك، فربما كانت تنضج لتأتي في الوقت الذي تستحقه. ازرع الخير حيثما استطعت، وابتسم حتى في الأيام الثقيلة، وامنح من حولك ما تتمنى أن يمنحه لك الآخرون. فالعالم، رغم ضجيجه وتقلباته، لا يزال يحتاج إلى إنسان يعرف كيف يكون رحيمًا، وكيف يترك خلفه أثرًا جميلًا لا تمحوه الأيام، لأن أعظم ما يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يعيش طويلًا، بل أن يجعل وجوده سببًا في أن تصبح حياة الآخرين أكثر نورًا وأملًا وسلامًا.
سجّل الدخول لتقييم النص