
قصة قصيرة
"الفن لا يحتاج وصاية، بل لثقة"
بقلم Hadaya Alwalid
"كنت ألتقط صوراً لأشياء قديمة، مهترئة، وغير مرممة أو صوراً من الشارع؛ دائماً ما يُعتبر واقعُنا وكأنه فضيحة، ولكن للتحدث عن قضايا ما، علينا أن نعبّر عنها، و إلا ستتراكم داخل المجتمع وتَتَجَذّر"
أدركت هبة شلابي شبهها بوالدها، فقد كان فناناً و مصوراً إلى جانب حبه للتراث، أشبه بالموسوعة. استلهمت منه، فكانت بداياتها في مطلع الألفية عندما كانت تُعرف كمدونة على أحد المواقع، تنشر معلومات عن ليبيا مستخدمةً الكاميرات الخاصة بعائلتها لتصوير الأزقة، المساجد والمعالم، وكان والدها يساعدها لمعرفة الحكايات القديمة المرتبطة بها لتكتب عنها
آمنت أن الفن مساحة آمنة، وأن العدسة يمكن أن تُنقذ ما تعجز اللغة عن قوله. ترى الصورة كحكاية وإحساس، لا كجودة وأداة تقنية. وربما لهذا كانت تنحاز دومًا إلى الزوايا التي لا يلتفت إليها أحد؛ مبنى قديم يُعاد طلاؤه حتى يفقد ذاكرته، أو موهبة صغيرة لم يُمنح لها اسم بعد. المشكلة لم تكن في غياب الجمال، بل في سوء فهمه. ففي المؤسسات، كان الاختلاف يُعامل كخلل. عندما عَملت في التعليم، كانت الحركة تُمنع عن الأطفال بحجّة التعلّم. عندما إتجهت للفن، لاحظت أن التركيز على الجمالية لا الحكاية. وفي التراث، اختُزل الحفظ على صيانة سريعة تمحو ملامح قرنٍ كامل. كانت ترى كل ذلك، وتدرك أن المشكلة واحدة.. غياب الفهم، لا غياب الإمكان.
في عام 2020 بدأت تشعر برعاش في يديها، زاد ثِقل الكاميرا، وازدادت صعوبة ممارسة الفن الرقمي كذلك. استغرق الأمر ثلاثة أعوام لتدرك حالتها بالضبط. بالنسبة لمصورة فوتوغرافية، كان الأمر عائقاً كبيراً، لكن حينها سَألت، ما الفن حين تتغيّر الأدوات؟ و الجواب، كان الأثر.
انتقاء الصور للمعارض لحظة صعبة بالنسبةِ لها فهي ما تُظهر ليبيا، وهو نوع من الكِفاح، أن تحارب البيئة والظروف السيئة لإظهار جمال وطنك. فقد تأكدَت من هذا الأمر عندما زار السفير الهولندي أحد معارضها في 2017، وأخبرها: "ظروف بلدكم منعتني عن زيارة عدة مدن، ولكن بالمعارض، نحن نراها ونرى تفاصيلها" لذا تؤمن هبة أن الامر لا يقتصر على اظهار التراث والآثار فقط، بل ببساطتها، بأناسها، شوارعها، قصصها، وأنه من واجبنا أن نظهر جمالها الحقيقي كما هو، لا بتجميله
فهمت أن الفن لا يحتاج وصاية، بل إلى ثقة. في أحد المعارض المصوّرة التي تناولت قضايا المرأة، قدّم مصوّر في الخامسة عشرة فكرة جريئة وغير مكرّرة. لم يكن راضيًا عن عمله في البداية، لكن بعد افتتاح المعرض وتفاعل الزوّار مع فكرته، تبدّل شعوره إلى إيمان بما ما يمكن أن يقدّمه. و في معرض "هنّ"، لفتت صورة لمشاركة تبلغ من العمر نحو سبعة عشر عاماً أنظار الجميع. وقف الزوّار طويلًا أمامها، مندهشين من الفكرة وعمقها، دون أن يحتاج العمل لتفسير.
أما متابعة موهبة الشاب (عبد المجيد) من ذوي الإحتياجات الخاصة فكانت تجربة مختلفة. شعرت أن موهبته تستحق مساحة خاصة، فتم التنسيق مع شقيقته لإقامة معرض مفاجئ له. تخلّل المعرض ورشة رسم بعصب العينين، وبعدها عبّر الزوّار عن الأثر النفسي الإيجابي الذي شعروا به وعن السعادة التي تركتها التجربة فيهم؛ كذلك فوز الطفل (الحارث) لاحقًا في إحدى المسابقات الفنّية العربية
رؤية ذلك الدعم وما يُنتج عنه أكدت لها أن الأثر لا يُقاس بالإنجازات، بل بما يبقى في الذاكرة
هبة لم تجد دعمًا إلا في التوجيه والنصيحة، وكان ذلك كافيًا ليمنحها الثبات. اليوم، ترى أن من واجبها أن تعيد هذا الأثر، و ما يدفعها للاستمرار هو إيمانها بأن المواهب غير المكتشفة خسارة، وبأن حب الهوية يمكن أن يُزرع في القلوب، وطالما هناك روح، وجهد، وصحة، ستواصل البحث عن مساحات فنية تقدّم القصة الحقيقية