we speak
قصة قصيرة

"أنا من قعر الجرّة"

بقلم Hadaya Alwalid

"أنا من قعر الجرّة" بهذا ردّت فاطمة غندور على سؤال أحد المذيعين الأجانب عمّا إذا كانت ليبية أم لا، لتحكي لنا عن المفاهيم النمطية ودورنا تجاهها… منذ أن كانت طفلة، كان للجرائد والكتب، بمختلف أنواعها، مكانٌ محفوظ في بيتها. عرفت أوائل من كتبوا عن المسرح، وعن حكايات الأدب الشعبي. والدها شيخ في المسجد، كان مستنيرًا، وكانت الثقافة قرينته. ذات مرة، جلب لها ولإخوتها ورقًا مستعملًا، وعملوا على مجلة قُلِّد فيها أسلوب "مجلة العربي". نشأت في تربية أُسرية ارتبطت بالكتاب والدافعية، فكانت فكرة السرد أو الحكي مستلهمة أساسًا من عمّتها "نفيسة"، وهي سبب اتجاهها إلى الحكاية الشعبية. حظيت بجائزة، تمثلت في رحلة على سفينة "طليطلة"، بعد نشرها نصًا للأطفال وإخراجه ضمن النشاط المدرسي. سألت والدها عن قبوله أو رفضه، فشجّعها على خوض المغامرة، وكانت تلك أول تجربة سفر لها. استغربت كيف سمح لها والدها وهي مجرد معلمة بسيطة في الثالثة عشرة من عمرها. شعرت بثقة والدها؛ إذ كان يخبرها دائمًا أنه، كما تعتقد أنها جيدة، فالناس جيدون كذلك، ولا بد أن تجرّب، وتتعلّم، وتتعب في الحياة، وأن تنقل تجربتها للآخرين. في عام 2004، قدّمت فاطمة أول رسالة أكاديمية عن شخص يجمع الحكايات، لكنها لم تشعر بالفخر؛ إذ حتى وإن كانت الأولى، إلا أنها شعرت بأنها متأخرة، وكأن تاريخًا كاملًا قد أُجِّل. ظلت تتساءل: "لماذا إلى الآن لم نجمع حكاياتنا؟ لماذا لم نكتب عنهن؟". من خلال بحثها، وجدت أن الجمع الميداني لا يزال بكرًا، وأن دراسات الفنون الشعبية لا تزال فقيرة في الجامعات، فاتخذت هذا المذهب بتأثير من عمّتها. منذ عام 1911، تسجّل المرأة الليبية نماذج غير عادية في زمن الفقر والجوع والمرض؛ فالليبية لها تاريخ من الاجتهادات والتضحيات والنهضة. حالف الحظ بعض المجاهدات بالتوثيق، أما القصص الأخرى فلم تُروَ. كانت قد قدّمت خطتها، ولكن لم تكن في حوزتها قصة واحدة. طرقت بابًا تلو الآخر، وقوبلت بالرفض في كل مرة. شعرت بالفشل واليأس، إذ إن عدم امتلاك مادة للعمل أمر مُنهك. كان والدها ينصحها بالصبر، إلى أن حاولت مراتٍ أخرى، حتى فُتح باب أربعين بيتًا، لأربعين حكاية. بدأت النساء يقلن لها: "تعالي، حتى إحنا عندنا خراريف". كان خوف والدتها حاضرًا؛ كيف لابنتها أن تدخل منازل غرباء؟ لكنها كانت تعود إلى قناعة والدها بوجود الخير في الناس. أنشأت كتاب "نساء الربيع العربي"، سألت النساء: ماذا كنتِ تأملين في فترة الربيع العربي؟ لم يكن تفاؤلًا، بل أماني نساء تمنّين أن يكون ربيعًا فعلًا. رصدت عشر سنوات من المتغيرات، من التهديد والمخاوف، وما شجّعهن خلال هذه الفترة، دون أن تحذف كلمة. في بعض اللحظات، لم تتمكن من نشر بعض القصص لاعتبارات اجتماعية، وترى ضرورة البقاء تحت مظلة تحمي الناس اجتماعيًا. علمتها القصص التي لم تُنشر أنها ليست وحدها، وأن هناك من يواجه مشكلات لم يتمكن من حلّها، وأشخاصًا يعيشون معاناة أكبر. علّمتها أن تحترم محاولات الآخرين، وأن تتواضع، وأن تضع اعتبارًا للموانع والضغوط. اتُّهمت بأنها تتدخل في كل المجالات، إلا أن تعدد التجارب كان ينبع من سؤال داخلي: "هل أنا قادرة على أن أكون…؟"، فتتجه مباشرة إلى التجريب والواقع. واجهت آراءً معارضة من محيطها، حول اختيارها للأدب الشعبي أو التمثيل، لكنها كانت تقابل ذلك بالضحك. تقول: "عندما تبدأ بيئتك في البيت بنوع من الصد، يعطيك دفعة. فإن كان في بيتي نوع من التنمّر، فهل ألوم من هم خارجه؟ المهم أنني أسير إلى الأمام". كان البعض يأتون إلى والدتها في مربوعة البيت ليقولوا: "كيف بنتك تسافر بروحها؟!"، سَمعتها عشرات المرات، لكنها كانت ترى في هذه التجارب ما يصقلها ويملأ فراغًا معرفيًا. رسالتها لطلبتها أن يخطئوا؛ فالخطأ مُعلّم، ولا وجود للكمال، وألا ينظروا لمن يعارضهم كأعداء، بل كضحايا ظروف، وعليهم الدفاع عن خياراتهم في الحياة. كما في أي مكان، توجد تكتلات تعتبر المجال ملكية خاصة؛ ولكي لا تكون "دخيلًا"، لا بد أن تقدّم المستوى نفسه، فحدودهم يفرضونها على الجميع. تعرّضت للتهديد وبقيت بعيدة عن التدريس، وأمضت ثلاث سنوات تحاول العودة، وكان أكثر ما أسعدها وجود المعاضدة، ووقوف أشخاص دافعوا عنها، عن ابنة الكلية… ترى أن طرق التعليم اليوم بحاجة إلى تعديل وتحديث. عندما يظهر جيل يتجاوز أساتذته، لا بد من معالجة الأمر بترك مساحة للطالب لسماع صوته، لا التعالي عليه أو إسكاتِه؛ فالطالب هو ابنك، هو أخوك. فكيف يُنظر إليه على أنه غير قابل للتعديل أو لا يستحق الاحترام؟ المسألة هنا تربوية أيضًا، والمطلوب هو الإيمان. اليوم، نحن في ظرف طوارئ، لا يمكن أن نلتزم بقواعد وإجراءات تتناسب مع حالة الاستقرار. حتى في الدين، هناك تسامح ويُسر. تسأل فاطمة نفسها أحيانًا: إلى متى سيظل هذا النفس الطويل؟ ثم تضحك؛ فالناس مستمرة في إحباطها. تنظر إلى المكسب في التجربة، لا في الفوز. تسعد عندما تقاوم مرة واثنتين وأكثر؛ فهذا ما يبقيها منتعشة. تغفر لنفسها، وتُدهش من يقفون في طريقها. تكتب مذكرات للمطالبة بحقوقها، ثم تحذفها. استمر هذا الحال، وهم يجهلون أن الكتابة فعل مقاومة. الموت أمر محقق، أما الدفاع عن الحق، ففيه يكمن النضال. ترى أن هناك فكرة مغلوطة عن شعبنا؛ لذا لا بد أن نخرج في مقابلات ونتحدث. فكيف نقول إن هناك صورة خاطئة عنا، ونحن لا نريد أن نتكلم؟ في أول لقاء لها مع قناة BBC، سألها المذيع إن كانت ليبية الأصل، فقالت له: "أنا من قعر الجرّة"، أي إن أصولها ليبية، من صحرائها. بعد اغتراب دام سبع سنوات في مصر، عادت إلى البلد وشعرت بأمان حقيقي. أعجبتها المتغيرات، رغم ما تركته من صمت وكآبة، لكنها رأت الروح المفقودة تعود حيّة مجددًا، فقررت العودة إلى عملها والبقاء في بلدها. تحكي بشيء من الأمل؛ ففي وقتنا الحالي بدأ نشاط واضح، ومدن عدة تفتتح بيوتًا خاصة بالتراث، وتحيي خبز التنور وغيرها من التقاليد الليبية. الجميل في التراث أنه قابل للإحياء وإعادة الاشتغال عليه، والأجمل شعورك بأنك لست وحدك.
سجّل الدخول لتقييم النص