we speak
قصة قصيرة

"طالب الفنون مستقبله ضبابي، إلا عندما يرسم طريقه بنفسه"

بقلم Hadaya Alwalid

كان الفن رفيقاً لسُندس كشاد منذ سن مبكرة، لم تواجه عوائق أو تحديات في رحلتها لدراسته، إلا أن الروتين الأكاديمي كان الصفعة! الفن يُعرف كشيء "حُر" لا يقبل القواعد، إلا أنه ارتبط بدرجات وحدود في التجربة لا يمكن للطالب أن يتجاوزها؛ حدود صغيرة تؤطّر إبداع كل عقل فنّي. اعتُمدت مناهج معيّنة دون غيرها، وتكتيكات متكرّرة. تغيّر الحال للأفضل بإنضمام أحد الاساتذة لكادر التعليم، و الذي أضاف الحسّ المُفتقد للطلبة؛ سُمحت لهم التجربة، وانتعش القسم. تغيّرت البيئة، ولو شعوريًا، لم يقم بالقيادة أو أخذ دورٍ مهم، إلا أنه ألهم زملاءه وطلبته، وذلك ما أسعد سندس ودفعها لاكتشاف حدود قدراتها. اعتقدت أن الفن الواقعي هو توجّهها، فهذا ما كان يُدرّس. كانت تشارك في الأنشطة المتنوّعة، حتى ذات يوم كسرت القاعدة وشاركت بلوحة تجريدية. تعرّضت لتعليقات سلبية تقول: "هذا ليس بمستوى فنّان"، بالرغم من أنها كانت مجرد طالبة بخبرة محدودة. حينها أرادت فقط أن تجيب: "لم تكن هناك فرصة لأتعلمه". خلال ذلك الوقت، كانت الكلية تسمح للطلبة بالعمل على مشاريع تخرّجهم خارجها، فتبنّى مكتب هندسي سندس وأخذت ركنًا فيه. شعرت أن البيئة مناسبة جدًا لروح الفنان، لإلهامه. وحين تتذكّر هذه المشاعر، رغبت في أن يكون لكل فنان مكان يمكنه أن يشعر بنفسه فيه؛ شيء يحتضنه ولا يحدّ من حريته. حينها، أرادت أن تثبت نفسها وقدرتها بشيء مميز تختتم به سنوات الدراسة، بشيء أكثر عراقةً من التراث، فَجاءت فكرة قورينا. لفتت انتباهها قطعة رخامية كانت موجودة في ليبيا، واليوم هي في متحف بيريطانيا. تناولت هذه الزوايا الثلاث: التراث، التاريخ، والقطع التي أُضلّت عن الوطن. لم تتوقّع أن الصدى سيتسلّل خارج أسوار الكلية؛ انتشرت صورتها مع اللوحة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت التعليقات إيجابية بشكل غير متوقّع. بعد تخرّجها عام 2020، شاركت بعدّة لوحات في مختلف المعارض. فطالب الفنون مستقبله ضبابي، إلا عندما يرسم طريقًا لنفسه، بمجهود مضاعف فقط لإبراز إسمه. أصبحت الحاجة لأن يكون لها مكان خاص بها موضوعًا لا يقبل التأجيل، خصوصًا وأن للألوان الزيتية رائحة قوية. كانت الأمكنة تطلب إيجارًا شهريًا، وأحيانًا "دفع مقدّم". كشخص مبتدئ، لم تكن متأكدة من نجاحها، فسوق اللوحات في ليبيا غير ثابت، ويُعد أمرًا ثانويًا. لسندس صديقة تتبادل معها ذات الاهتمام؛ توفير مساحة عمل للفنانين حيث يمكنهم الشعور بالراحة، وأن تكون براحًا للتعلّم والتطوّر، وأن تكون التجربة غير قابلة للقواعد، والمساحة غير محدودة. لم يكن الأمر جديًا في البداية، حتى جاءت الفرصة في مكانٍ ما، ومن هنا جاءت "دَارك". بداية "دَارك" كانت في أكتوبر 2024، حيث بدأن بتطبيق أفكار بسيطة؛ أشياء يمكن الاستمتاع بها، وفي الوقت ذاته تبقى في الذاكرة ويُعاد بها إلى المنزل كتذكار. ففي ليبيا لا توجد خيارات عدّة للترفيه أو لقضاء الوقت مع الأصدقاء. بهذه الخطوات الصغيرة، كان طموحهن أن يصلن إلى مراحل أكثر تقدّمًا، كورش احترافية ومساحة عمل حقيقية توفّر المرونة في الوقت والمدة، حسب مشروع كل فنان، كأي مساحة عمل أخرى. بالرغم من أن المشروع غير مخصّص لجنس معيّن، إلا أن غالبية الزبائن من النساء، لعدم قدرتهن على إيجاد مكان يلائمهن. تركت فكرة البحث عن المكان المناسب صدمة لديهن؛ فعند التواصل مع الملّاك، لم يتم التعامل معهن بجدّية بسبب كونهن فتيات، لذا مررن ببعض الفجوات والتوقّف أحيانًا بسبب الانتقال من مكان إلى آخر. وأحيانًا أخرى اضطررن للمغادرة بخيبة أمل، إذ لا يُعتبر مثل هذه المشاريع مشاريع حقيقية فعلاً.بعد توقّف المشروع لفترة طويلة، كانت تأتيهن رسائل تسأل: "متى ستكون ورشة العمل القادمة؟" بالرغم من أن "دَارك" لم يكن معروفًا حينها. عندها أدركن أنه يلبّي "حاجة"، وغالبًا ما تكون معنوية أو نفسية، وهو ما دفعهن أكثر للاستمرار. تحكي سندس، منذ ثلاث سنوات كانت ترى في نفسها فنانة طموحة، أما اليوم فتراها إنساناً عادياً، وما تريد فعله هو القيمة التي يرجع صداها إلى نفسها. وتقول: "على الشخص ألا يفرض نفسه أو قيمته على الناس، مهما كان تقدّمه، إنما عليه أن يعيش لحظاته بشيء يتذكّره".ترى أن النظرة إلى الفن لن تأخذ قفزة كبيرة في المستقبل القريب، إنما خطوات لتأسيس شيء أكبر. وترى أن الدولة اليوم بدأت تلاحظ هذا الجانب وتعي أهميته للبلاد، فتبنّي وإعادة فتح مشاريع تتعلّق بالفن في ليبيا سيفتح انطلاقات أخرى قريبة
سجّل الدخول لتقييم النص