
قصة قصيرة
"كل المصالح تتلاشى أمام حِمل ثقل إنسان، أو إنقاذ حياة…"
بقلم Hadaya Alwalid
"في أول مهمة انتشال لي، كنا نتجه لجثة واحدة… لنجد أنفسنا أمام سبعٍ وعشرين جثة أُخرى، لم تكن ملامح أغلبهم واضحة، ولم يكن هناك انتظار لشكر أو تفاعل"
بهذا تحدثت رتاج بن خليفة عن نقطة التحوّل التي عرّفتها على معنى العمل التطوعي الحقيقي، أن تنام وأن تشعر بالقيمة في يومك، ولكن ماذا عن الشباب الذين يعيشون بشكل روتيني، بلا مساحة وبلا مسار؟
الشباب في سنواتهم الانتقالية يعيشون ضغوطًا مضاعفة. بين سنوات دراسية طويلة و واقع اقتصادي صعب، في رحلة السعي للحصول على شهادة يجد الشاب نفسه مبتدئاً بمهارات محدودة بينما الخبرة شيء مطلوب، و لو وجّه منذ البداية بالشكل الصحيح لم يكن ليتصادم مع الواقع. من هنا بدأ احتياج واضح لمظلة تحتضنهم، تمنحهم الإتجاه، وتترك لهم حرية الاستمرار
قررت رتاج ومجموعة من الشباب تأسيس “متين” لتكون مساحة عمل حقيقية، ركزوا على هذه الفئة، قدموا تدريبات مكثفة، ثم راقبوا الأثر؛ شباب يتحولون من متدربين إلى مدرّبين، ومن باحثين عن فرصة إلى فاعلين في المجتمع المدني
تقول رتاج عن احدى مشاريع متين : “اصطحبنا مجموعة لزيارة منظمات مختلفة، واليوم يعملون داخلها. حتى بعد انتهاء برامجنا كانوا يعودون بإقتراحات لمبادرات جديدة.. ذلك ما جعلنا متفاجئين وسعداء جداً بالنتيجة!"
منذ الطفولة و رتاج تبحث عن أي مساحة لتحتويها، حتى وجدت نفسها مع الهلال الأحمر الليبي و منظمات محلّية، أدركت من هذه التجارب ان العمل التطوّعي يجعل كل المصالح تتلاشى أمام حمل ثِقل إنسان، إنقاذ حياة، أو حفظ كرامة ميّت، فقد أثبتت كارثة درنة ذلك بوضوح، تحرّك وطن كامل بروحٍ مدنية حقيقية، لذا تقول: “هذا هو المجتمع المدني”
رغم التعب والتقصير الذي تشعر به أحيانًا، كان هذا العمل ما يجعلها راضية، حتى في مجالها الطب، لم تعد تتعامل كطبيبة مع مريض بل كإنسان لإنسان، جعلها ضغط الدراسة وتشتيت المحيطين لها تلجأ شاكيةً لأخيها، ليخبرها : “اصنعي قصتك بنفسك”، فأمضت في المجالين معاً؛ فالتطوع بالنسبة لها ليس مرحلة، بل أسلوب حياة.. شيء تبنيه مرة، لكنه يستمر وحده
الأثر الذي تركه العمل التطوعي في روحها ذكّرها أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من المؤسسات وحدها، بل من الفرد حين يؤمن أنه قادر على فعل شيء لمجتمعه ونفسه، لذلك تواصل في مَهمة فتح الطريق لغيرها، إيمانًا بأن توعية الشباب لا تجعل منه تابعاً للقرارات، إنما صانعُها