we speak
قصة قصيرة

"هذا ليس ما يُشبهني…"

بقلم Hadaya Alwalid

"عندما امر بحدث سيء، اتذكر شعور تجربة مشابهة مررت بها من قبل، وهذا كان كالمنقذ دائماً؛ عندها أدركت لماذا كان والدي يدفعنا الى التجربة" لم تبدأ القصة بخطة، بل بقرار مفاجئ. في ليلة و ضحاها، قررت بدلاً من دراسة اللغات في مدينتها هُون، أن تنتقل الى سرت، وأن تقيم في المبيت الداخلي؛ لم تكن تعرف إن كان القرار سيُقابله الرفض أم القبول. لكن الرد جاء بسيطاً... أوصلها والدها وغادر. في الأيام الأولى، بدا المكان غريبًا. لم تجد وجوهاً مألوفة، ولا صديقات، ولا ما يشبه بيئتها السابقة. احتاجت وقتًا لتفهم أين هي، توقّعت شيئًا، ووجدت شيئًا آخر. ومع ذلك، اختارت ان تتبع فضولها. أنشأت علاقات، وعاشت تجاربها وحدها، في زمن لم تكن فيه التكنولوجيا والإنترنت وسيلة تعويض عن الغربة؛ هناك أدركت أول درس، لماذا أُتيح لها أن تكون هنا. لم يكن لمجرد الدراسة بل لفهم المجتمع الليبي من داخله، واختلاف ثقافاته وتفاصيله بعد عامين ونصف و مع ظهور داعش، تبدّل كل شيء وكان واضحاً في المواقف، تبادل الأفكار، الروتين، وحتى القيم. عادت إلى مدينتها قبل أن تُغلق سرت تمامًا، حاملةً تجربة لم تكتمل عند عودتها لإكمال سنواتها الدراسية و في اجتماع لاتحاد الطلبة داخل الكلية، طُرح سؤال عن غياب تواجد الفتيات في الأنشطة؛ وقفت سارة أبوزيد وقالت ببساطة إنها تستطيع أن تكون هناك. من تلك اللحظة، أنشأت مكتبًا إعلاميًا في نادي اتحاد الطلبة، وبالتوازي انضمّت متطوعة إلى إذاعة هون. لم يكن الهدف إثبات شيء، بل ملء فراغٍ شعرت به لاحقًا، افتتحت استوديو تصوير مخصصًا للنساء. المشروع قام على جهد ذاتي بمشاركة والدها. تغيّرت فكرته أكثر من مرة، من التصوير إلى تعليمه للفتيات. لم يكن الضغط الاجتماعي عليها شخصياً هو ما أوقفه، بل أثره على العائلة، وتحديدًا على والدتها. أُغلق الاستوديو، وبقيت التجربة. بعد التخرّج، عُيّنت معلمة لغة للأطفال. لم تكن متحمسة للمجال، وكانت تعود يوميًا مثقلة. تزامن ذلك مع جائحة كوڤيد مما زاد ثقلاً أكبر. شعرت بالغربة من محيطها، ومن مدينتها. قررت ألا تستمر هكذا، دون أن تمتلك خطة واضحة. تركت الأمر مفتوحًا. في عام 2021، تقدّمت إلى كلية الفنون بجامعة طرابلس. وصلها القبول. لم تكن والدتها موافقة في البداية اذ انها خريجة ولديها عمل ولا بد أن يُختم الأمر بالإستقرار، مع كل ذلك لم تحتمل سارة الصمت و أخبرتها :"أنا هنا أشعر كأنني أموت، هذا ليس ما يشبهني" فقد كانت مرحلة حساسة، والتجربة الجديدة لبّت حاجة لم تكن واضحة من قبل. في طرابلس، بدأت تراقب البيئة عن قرب، لا كما تُروى، بل كما تُعاش. درست الفنون بدافع حبها للتصوير. العمل في السينما لم يكن سهلًا خصوصًا مع قلة النساء في المجال؛ في بعض المواقع كانت هي الفتاة الوحيدة، ما تطلّب وعياً بحدودها وحدود المجتمع، وبكيفية التعامل مع الضغط دون صدام. شاركت في أعمال للمتحف الوطني. لم تتوقع حجم المسؤولية، لكن لحظة الإعلان عن العمل كانت مؤثرة. في أول موقع تصوير، إنتقلت بين تجارب سابقة محدودة و أُخرى وُجدت نفسها مسؤولةً عنها رغم القلق الطبيعي من قراراتها، ظل الحوار مع العائلة حاضرًا. لم يكن والدها داعماً بدافع الحماية، بل بدافع التعلّم. تعلّمت أن العلاقة مع العائلة تحتاج لغة خاصة، حتى مع اختلاف الأفكار. فالدائرة الأولى، مهما اختلفت، تبقى الأساس. منذ الصغر، كان الاحتكاك بمنظمات المجتمع المدني والمشاركة في المهرجانات والنشاطات جزءًا من حياتها. لم يكن هناك خوف من التجربة. بل دفع دائم نحو المحاولة، حتى في ما يثير القلق. تقول سارة "أبناؤكم ليسوا لكم"، في إشارة ان دور الأهل لا يكون في التملّك، بل في التكوين. في إتاحة المساحة للتجربة، حتى يصل كل فرد إلى معناه الخاص و يمكنه من خلال ذلك تقديم قِيمة للمجتمع اليوم، ترى أن تراكم التجارب هو ما صنع قدرتها على التوازن؛ عندما تمر بحدث صعب، تستدعي تجربة مشابهة، فيتراجع الخوف. ليس لأن الأمر بسيط، بل لأنه مألوف. تؤمن أن الحياة تتطلب استعدادًا، وهذا الاستعداد لا يأتي من التجنّب أو الخمود، بل من الإمتلاء بالمعرفة و التعلّم؛ عندما يتوقف الغضب المستمر من الظروف السلبية، يبدأ السؤال عمّا يمكن تقديمه من مجهود و أثر، يمهّد للفرد و لمُجتمعه حياةً أكثر إيجابيةً
سجّل الدخول لتقييم النص