we speak
قصة قصيرة

"الإنسان ليس عالة على المجتمع، بل آلة لتحريكه"

بقلم Hadaya Alwalid

في هذه اللحظة، تبدو أبرار فتاة تعرف تماماً إلى أين تريد أن تصل؛ تقول بلا تردد: “هدفي أن أكون مدرّبة عالمية” لكن الوصول إلى هذه الجملة لم يكن سهلاً ولا سريعاً؛ بل طريقاً تشكّل من انقطاعات وحروب وانتقالات قسرية، ثم قرار اختارته بإرادتها. بعد الحرب التي أثرت في مدينة مرزق منذ نحو ست سنوات، وجدت أبرار نفسها مع عائلتها في بنغازي، تعيش تجربة التهجير بكل تفاصيلها القاسية تزامناً مع مرحلة المراهقة، محاطة بنقص الحاجات الأساسية، وقيود جديدة على الحركة والاستقلالية التي اعتادت عليها، أما الحفاظ على مشاعر الآخرين، جعل المساحة أضيق والحزن أثقل. إنتقلت الى مصراتة، و لم تكن النقلة الوحيدة لإبرار اذ بالنسبة لها كانت بداية جديدة أيضاً! قررت أن تضع حداً لظلال التهجير وأن تبتعد عما يجرّها للوراء، عرفت مبكراً أن المهارات الشخصية ليست رفاهية؛ بل جسر يمكن لأي شخص أن يعبر عليه ليصل إلى طموحه بطرق أبسط و أوضح. لاحقاً، في إحدى الورش التدريبية، منحها مدرّب متخصص فرصة للتحدّث. استمع إليها ثم طرح سؤالاً لم تتوقعه: “ما الغاية من رغبتكِ أن تكوني مدرّبة عالمية؟” أجابته و هي غير مقتنعة تماماً بأنها تريد ذلك من أجل والدها. لكنّ ردّه أيقظها لشيء آخر : “ماذا عنكِ؟ لنفسك؟” حينها تذكّرت أبرار موقفاً ظل عالقاً معها لسنوات: كانت في الرابعة عشرة، أصغر المتدربين في ورشة عمل عن المهارات، أنهت التدريب بتميّز، لكنها لم تحصل على شهادة لأنها لم تبلغ السن القانوني؛ ذلك الرفض أوجعها، عادت البيت و هي تشعر بنوعٍ من الظلم بدأت تبحث عمّا تحتاجه لتصلح ما انكسر بداخلها، وفي الوقت نفسه كانت تمضي في طريق أن تصبح مدرّبة فعلياً. حصلت على شهادات تدريبية محلياً وتكوّنت لديها فكرة؛ أسّست نادي “لأنكِ أنثى” وهو مساحة للفتيات اللواتي يملكن الأفكار ولا يجدن مكاناً لتطبيقها. قدّمت تدريبات في الحوار، إدارة الوقت، لغة الجسد، وتحفيظ القرآن، إضافة إلى مسابقات شاركت فيها نحو 300 طالبة؛ كانت التعليقات المجهولة مشجعة بشكل فاجأها، وفخرت بأن كل المشاركات والفريق هن فتيات ليبيات، يعملن و يتدربن رغم الضغوط. في 2020 انضمت إلى مؤسسة عربية تجمع مدرّبين من كل البلدان. وبسبب جائحة كورونا اختارت تقديم تدريب حول إدارة الوقت. لم تتوقع أن يتزايد عدد المسجلين يومياً بهذا الشكل. تجّار، أطباء، قانونيين… من كل الدول. كانت تتهيب أن تذكر سنّها لكنها كانت تدرّبهم، وتُسأل، ويُؤخذ بكلامها دون أن يعرف أحد سنّها الفعلي؛ منذ حينها جاءتها فرص من دول عربية أخرى، مما فُتح باباً آخر في مسار التدريب، اذ لم تعد هناك حدود تصدّها عن ذلك الحُلم واليوم، حين طرحنا عليها السؤال من جديد: “لماذا تريدين أن تكوني مدرّبة؟” أجابت بيقين : “لأن الإنسان ليس عالة على المجتمع، بل آلة لتحريك المجتمع، و لازلت أريد أن أُذكر باسمي… واسم والدي: أبرار عبدالسلام.”
سجّل الدخول لتقييم النص
"الإنسان ليس عالة على المجتمع، بل آلة لتحريكه" · we speak