
Short story
"أنا كذلك إبنة هذا البلد"
by Hadaya Alwalid
"أعلم أنها مهنة المتاعب، وذلك ما أحبّه فيها!"
بشعورٍ من الفخر، تحدثت إيمان بن عامر عن والدتها، إذ إنها كانت من أوائل الليبيات اللاتي اشتغلن في مجال النفط. وبشيءٍ من الحنين، تذكّرت المرّات التي رافقت فيها والدتها حينما كانت طفلة، ومعها القصص والروايات التي كانت تجلبها لها، حتى أصبحت القراءة صديقةً لها.
في المدرسة، كانت حصة اللغة العربية هي المفضّلة لديها، كما كانت تطبع الصحف بنفسها وتنشرها بين الطلبة، وأحيانًا تُرسل إلى الإذاعة رسائل مكتوبة، وتشعر بالسعادة في كل مرة يُذكر فيها اسمها.
وُلد شغفها بالإعلام منذ تلك الفترة، لكن المجتمع حينها كان منغلقًا على مثل هذه المجالات. اتجهت لدراسة المحاسبة، وبالتوازي واصلت متابعة البرامج، والتصوير، وطباعة الصحف ضمن نشاطات جانبية.
بعد تعيينها في الجمارك، أنشأ القطاع حينذاك مشروعًا لمجلة تابعة له. وعند سماع إيمان بالخبر، قررت دون تردد أن تنضم إلى فريق التحرير، وكان هذا القرار أولى بداياتها الرسمية في المهنة. استمرت دون كلل، حتى شاء القدر أن تلتحق ببعثة للدراسة في المعهد العالي للصحافة في دولة المغرب. كانت لحظة الانتماء الفعلي لهذا المجال لا تُصدّق، وبذلك ضمنت أيضًا مسمّى أكاديميًا تستند إليه.
لم تواكب المجلة الفصلية طموحاتها، فطُرحت فكرة تشاركتها مع زميلها لإنشاء صحيفة شهرية، هي الأولى من نوعها في ليبيا، سُمّيت "المنافذ"؛ تختص بالشأن الجمركي والثقافي، وتوفّر مساحة للعاملين لنشر أعمالهم، كالمقالات والشِعر. كما قامت بجولات على مستوى ليبيا، برًا وبحرًا وجوًا، تنقل خلالها قصص التحديات والإنجازات عن زملاءها.
فكرة العمل المكتبي كانت ثقيلة، و ما شجّعها على دخول الميدان في كل مرة هو مديرها طارق الهوني، الذي وصفته بـ"المُعلّم"، إذ كان معلمًا في انتقاء الكلمات، وترسيخ المبادئ المهنية، وصياغة زوايا الحدث. دفعها ذلك إلى المشاركة في العديد من ورش العمل، حتى نالت شهادة في التدريب الإعلامي. وفي الوقت ذاته، انضمّت في بدايات نشأة وكالة "الغيمة"، ثم تقلّدت ادارة التحرير، إضافةً إلى عملها مع مؤسسات إعلامية مختلفة، كمقدمة أخبار، وعضوة في لجنة مراجعة النصوص، وكاتبة في صحفٍ متعددة.
المعارضة لم تأتي من عائلتها مباشرةً، لكن تعليقات المحيط كانت تترك أثرًا عميقًا. وبسبب رحلاتها وأوقات عملها، كان أخوها الأصغر يرافقها أحيانًا، فتُذكّرهم دائمًا بأنها صحفية، وأن ما تقوم به لا يتداخل مع أي مجال آخر. وفي صِدام المواجهات، كانت والدتها دائمًا إلى جانبها، داعمةً لعملها.
لم تواجه قيودًا تختلف عن تلك التي واجهها زملاؤها الرجال من النواحي الأمنية أو السياسية.
تعرّضت للإعتقال عدة مرات بغرض التحقيق على خلفية عملها الصحفي، دون سبب محدد أو حجة واضحة. لم يكن يُعترف بالرسالة ولا بالجهة، وكانت الأسئلة تدور دائمًا حول الممول والجهة التي تتبعها. أُخذت منها الكاميرا، ومُنعت من إجراء اللقاءات، وأُمرت بإيقاف التصوير، إذ غالباً يُنظر إلى الكاميرا كسلاح.
وترى أن ذلك نتيجة طبيعية لغياب نقابة فاعلة للصحفيين، فبالرغم من المحاولات، تظل المعوّقات قائمة.
تقول : "بالنسبة للصحفي، تبقى السلامة أولًا ودائمًا. لكن حين تنظر إلى صحفيين أجانب يخاطرون بحياتهم في دولة ليست دولتهم بينما نحن أبناء البلد نكتفي بالمشاهدة. صحيح أن الشباب موجودون، لكنني انا كذلك، إبنة هذا البلد.."
تَحكي لنا إيمان عن اليوم الذي تركت فيه بصمة، عندما انعقد مؤتمر صحفي حول مشكلة الكهرباء في 2019. كان الحديث ذاته يتكرر دون نتيجة؛ أخبرت زملاءها عن خطتها، إذ كانت تحمل في حقيبتها شموعًا لتُخرجها كنوع من الإحتجاج على الحدث.
تم تداول الأخبار عنه، و قيل: "الصحفيين اللي طلعوا شموع في المؤتمر".
شعرت أنها محمّلة بأسئلة من وسط المجتمع، من المواطنين، ما ترك في داخلها إحساسًا بالمسؤولية، إلا أنها مُنعت، بينما أُجيب عن الأسئلة المسموح بها فقط…
تمثيلها لليبيا في المحافل الدولية جعلها تُدرك الصورة النمطية عن الصحفيات في بلدنا، إذ يُنظر إليهن وكأن "لا وجود لهن". فكانت تحاول تغيير هذه النظرة، وتنقل الواقع بأن المشكلة تكمن في ندرة الفرص.
هذه التجارب والمشاركات كانت دعمًا لها، لكنها لم تكن مصادفة أو ضربة حظ، بل مراحل وساعات طويلة من إثبات الذات وأشخاص آمنوا بها. وعندما يُمارَس الإعلام بحب، تُترك بصمة، لأن كل كلمة ترتبط بشعور ورسالة.
لا تزال إيمان ترى في نفسها تلك الطالبة المبتدئة، حتى في المجالات التي تمتلك فيها خبرة. تحب أن تتعلّم مرةً بعد أخرى، وأن تُفيد بما تتعلمه. وترى أن المراحل التي عاشتها، وتعيشها صُحفيات غيرها من تجارب ميدانية، والاطلاع على مختلف الفنون الصحفية ومجالاتها، إذا عِشنها فعليًا، فإنها ستفتح آفاقًا واسعة، وهو ما يصنع التغيير
أملاً أن ترى ليبيا في مستوى أرقى، وأن يكون مواطنوها أكثر وعيًا.