
Short story
"إن كان ذوو الخبرة في الخارج، فمن سينقلها إلى الداخل؟"
by Hadaya Alwalid
لاحظ معلموها في سنوات المدرسة الأولى أن هناء تضّطر للجلوس في الصفوف الأمامية، وأحياناً تجلس على الأرض قرب السبورة. أبلغوا والدها، وعند زيارتهم للطبيب، تفاجأوا بأنها لا ترى بإحدى عينيها. بدأت رحلة العائلة بالبحث عن العلاج في ليبيا وخارجها، إلا أنه إلى اليوم، لم يُعرف له سبيل.
لغة الأرقام كانت سهلة بالنسبة للطفلة هناء طاهر، فبمراقبة إخوتها حين يدرسون، استمتعت بحلّ المعادلات البسيطة.
لاحظت أختها الكبرى درجاتها العالية في المواد الحسابية، كما كانت تتلقى المديح من معلميها دوماً، إلا أن ما أثبت لهناء نفسها أنها متفوقة بحق، كان عندما ساعدت أخيها في الجامعة بحل مسألة لم تكن متيقنة منها، حتى أخبره أستاذه: “أعطيتك الدرجة، لكن من دكتور الرياضيات الذي حل لك المسألة؟”، ومن هناك، كانت الإشارة
بعد تخصصها في الرياضيات، قدمت لتكون معيدة.
في الجامعة، وبعد عام من الانتظار، فوجئت بإعلامها أن اسمها سقط سهواً، ويمكنها التقديم في العام المقبل! بعد مرور العام، وفي تقديمها للمرة الثانية، أخبروها أنهم قد اكتفوا بالعدد بالفعل، فجرّبت التقديم في كلية أخرى؛ زامن ذلك أحداث السابع عشر من فبراير، وبمرورها ووالدها للتقديم، أشار والدها بشكل مفاجئ إلى المحكمة، وأنه يمكنها إستخراج الفريضة الشرعية من هناك حين يتوفاه الأجل. لم تجد هناء ما تقوله، لكنها شعرت بأن قلبها ينزف؛ وما لم يكن غريباً عليها أنه بعد مرور عدة أشهر، رجعت لتُخرج الفريضة بنفسها فعلاً!
ذهبت هناء لتوقيع ورقة مباشرتها بعد وفاته بأيام، فقد كانت رغبته أن تصل إلى ما تسعى له، لتكون بذلك أول معيدة في قسم الرياضيات بكلية التربية، والمعيدة الأنثى الوحيدة
قدمت على المنح الدولية، بعضها تطلب التقديم بمبلغ مالي، والآخر تطلب السفر. وبمجهودات شخصية، حاولت لأربعة عشر مرة، رُفضت جميعها…
في المرة الخامسة عشرة، قُبلت، ومنذ ذلك الحين، تحاول هناء إيصال صوتها بِلغتها و هُويتها.
سُئلت من قبل السفارات في كندا وأمريكا إن كانت ترغب في طلب اللجوء، فتجيب بابتسامة أنها تريد البقاء في الوطن
الوطن بالنسبة لها ليس إحدى الأفكار النمطية المتداولة عن حُبّه، روحُه وتُرابه، بل مبدأ آمنت به بعد تجارب عدة شرقاً وغرباً، من سؤال : “ما الفائدة التي قدمتها لوطني؟”
المشكلة كما تراها ليست في النظام الحكومي فقط، بل في الشعب الذي يُبقي فكرة التغيير مؤجلة
فإن كان ذوو الخبرة في الخارج، فمن سينقلها إلى الداخل؟ رأت أن الإنجاز الذي تقوم به خارجاً لن يكون شيئاً في بلدها
يُخبرها طلبتُها بأنهم محظوظون بوجودها، لنقلها إياهم تجارُبها ومعرفتِها، مما أكد لها نتيجة إيمانها؛
بالرّغم من ذلك، لاتزال هناء في وظيفة مُحاضر مساعد و لم تتحصل على ترقيك حتى بعد مرور تسع سنوات منذ مباشرتها، السبب؟ تُمزّق الأوراق بعد كل طلب!
توّجت بجائزة المرأة المُلهمة في نسختها الأولى بطرابلس عام 2024، بعد رجوعها إلى مدينتها
لم يُبارك إلا زميل واحد، أما الآخرون فإما فضلوا الصمت، أو التنمر، الذي وصل أحياناً إلى حد التمنّي لها بالأذى … تُخبرها صديقتها التي لم تحتمل هذه البيئة : "كيف تقدري تستمري بعد اللي تسمعي فيه؟"، إلا أن تؤمن بالرياضيات، التي علّمتها إيجاد حلول لا نهائية لكل مُشكلة. كما تنسَب روح الإصرار و التوكّل من والدها المرحوم، و ترى في العائلة ركيزة للصمود، و في إخوتها قوة
تحلم بأن نُرجع الرياضيات إلى العالم العربيّ، وأن نسترجع تاريخُنا، و أن تصنع، هي، شيئاً يفيد الناس و يذّكرونها به.
ترى الإحباط في الفِكر بين شباب اليوم، ولا يمكن لومهم لما مرّت به البلاد في طفولتهم، و لذا، تنصح بالتجربة؛ التجربة ما يكشف قُدراتنا و إمكانياتنا، وتقول دوماً : "لو تسكر قدامك مية باب، جرب في الباب مية وواحد"