we speak
Short story

"يد وحدة ماتصفقش!"

by Hadaya Alwalid

درست منيرة إدريس المرحلة الابتدائية خارج ليبيا، ووجدت فيها مساحة لطرح الأسئلة على معلّميها، وكانت الإجابة تأتي عبر تجارب فعلية تُطبّق داخل الحصص. أحبت العلوم والرياضيات، ووجدت في حلّ المسائل وتحليلها أمرًا مشوّقًا. لم يختلف ذلك كثيرًا عن دراستها في ليبيا، كما تصف؛ إذ كانت جودة التعليم جيدة؛ أما في المرحلة الثانوية لم يكن الأمر سهلاً، فالمناهج لم تكن مرتبة آنذاك، لكنها تتذكر معلمة فيزياء كانت تأتي بكتب من الجامعة لتقرأها لهم حتى يتمكنوا من فهم الدرس. تلك كانت الشرارة الأولى، التي لم تدركها منيرة مبكرًا. تعرّفت على مجموعة من الأصدقاء عام 2018، وأنشأوا مشروع "نادي الأبطال الصغار" بهدف تعليم الأطفال العلوم المختلفة خلال الصيف. قدّمت أولى محاضراتها، وأنشأت منهجًا خاصًا بها في العلوم الفيزيائية والكونية. تقول: "كنت المعلمة المفضلة لهم، وهذا بالنسبة لي هو النجاح"، و كما في طفولتها، سمحت للأطفال بطرح أسئلتهم مهما كان نوعها، وكانت تستمتع برؤية الحماس في وجوههم عند الإجابة وإجراء التجارب التطبيقية. فالطفل في سنواته الأولى يحمل تساؤلاته أينما ذهب، ولا يمكن حصره في مجال واحد، وما على الأهل إلا أن يفسحوا له المجال للتجربة، ويدعموه فيما سيختاره بالتوازي، كانت مع مؤسسة “رؤية” منذ 2016, حيث تترجم المقالات وتكتبها. تأثرت بالآراء الاجتماعية، فتقدمت لدراسة الطب رغم أنه لا يشبهها. لم يتم قبولها، وكان ذلك بالنسبة لها كفرصة ثانية لإختيار ما يعبّر عنها، فإتجهت إلى كلية العلوم. كانت تسمع هي وزملاؤها عبارات مثل: "المجال عقيم، مصيرك أبلة!" لكنها كانت تردّد في داخلها: من غيّر العالم عدا الفيزيائيين؟ لم تكن التعليقات هي المؤثر الرئيسي، إلا أن في تلك الفترة شعرت بضغط من محيطها ومن نفسها، فشككت في بعض قراراتها ولم تُبح بذلك لأحد، خاضت معركتها وحدها… حتى وصلت إلى المرحلة الجامعية؛ فكانت رايات الإنتصار تُرفع واحدة تلو الاخرى تاريخيًا، احتكر الرجال مجال الفيزياء، وكان عددهم يفوق النساء بكثير، تلك كانت طبيعة الحياة حينها. أما اليوم فقد تغيّر الزمن، لكن أثر ذلك لا يزال حاضرًا في التساؤل عمّا ستفعله المرأة بشهادتها، وهل ستكون نهايتها في البيت؟ برأي منيرة، هذا لا يهم؛ فالشهادة بالنسبة لها وسيلة لصقل النفس والمهارات، وبها يمكن أن تكون نموذجًا جيدًا لأطفالها في التربية والتعليم. انعكست تجارب النادي والعمل التطوعي والأنشطة الجامعية على ثقتها بنفسها وقراراتها بشكل إيجابي. ورأت أن من الجميل أن يكون لشغفك أثر تلمسه في الآخرين، إلى جانب دعم عائلتها وأصدقائها. وعند تخرجها كانت تحمل معها رصيدًا من الخبرات الحياتية والمهنية. "يد وحدة ما تصفقش"… لم تتفق منيرة مع هذا المثل. التاريخ، من غيّر العالم، فكرة التوحيد ذاتها، دائماً تبدأ برقم واحد ظلت هذه الفكرة تراودها لأربع سنوات، أرادت الكتابة عنها ونشرها، لكنها لم ترَ مكانًا يقدّرها. ومع الوقت توسّعت الفكرة لتشمل زوايا مختلفة؛ كأن يكون الإنسان رقمًا واحدًا لنفسه أو لغيره. شاركت بهذه الفكرة في برنامج Tedx العالمي، وأدركت أن فترة الإنتظار لم تكن عبثًا، خاصةً وأن الفكرة نابعة منها، وهي من صاغتها. تفاجأت بتعليقات إيجابية، وبأشخاص يتعرّفون عليها من خلال البرنامج بإسمها وفكرتها، مما أضفى معنى أعمق لتجربتها. تعود بنا إلى الفيزياء وتقول: "دائمًا ما يُساء فهم هذا العلم، لكن من يمتلك الوعي والأساس سيعرف كيف يروّضه". فهذا العلم مبني على نظريات وافتراضات، وعلى الفرد أن يدرك المرحلة التي يستطيع استيعابها، فلا يتقدم إلى ما يعلم أنه لن يفهمه، بل يرفع من مستواه تدريجيًا بما يتناسب مع كل مرحلة. أما عن مستقبله في ليبيا، فترى أنه يحتاج إلى تمويل حقيقي للبحث العلمي، فالبيانات المتوفرة شحيحة، كما أن عدد المعلمين الجدد في تراجع بسبب غياب دعم الدراسة في الخارج. وفي ظل الظروف الحالية، ما يمكن فعله هو أن نبدأ من أنفسنا؛ بالبحث، والعمل التطوعي، والاجتهاد، حتى ولو بإمكانات شخصية. المشكلة أننا ننتظر الحل، بينما يجب أن نكون جزءًا من التغيير لا مجرد متغيّر فيه. فهذه الحياة بتقلباتها ستغيّرك في كل مرحلة، فحاول على الأقل أن تغيّر بما يناسبك. وهذه البلاد ليست سيئة ولا سلبية، لكنها تحتاج إلى الكثير من "الرقم واحد".
Log in to rate this text