
Short story
"الشغف، هو الشيء الوحيد القادر على جِعل الطريق أخف"
by Hadaya Alwalid
في أحد البرامج المرئية، تمسك مريم المسماري الميكروفون بثبات، بالنسبة للكثيرين، لم يكن المشهد عادياً؛ مذيعة كفيفة أمام الكاميرا
تلك اللحظة التي تبدو للبعض استثناءً، كانت في حقيقتها خلاصة مسار طويل، بدأ بصدمة غيّرت حياتها بالكامل.
في المرحلة الثانوية، ودون أي مؤشرات سابقة، بدأت تشعر بآلام ظنّ الأطباء أنها عابرة ولكن بعد أيام قليلة، استيقظت من غيبوبة في أحد مستشفيات الأردن فاقدةً البصر، الطريقة التي تلقّت بها الخبر كانت مبسّطة وساعدتها على فهم الوضع بتروٍ وبدون صدمة، لكنها شعرت بأثره واضحاً في قلب والديها اللذين حاولا بكل الطرق أن يعيداها إلى ما كانت عليه، حينها، كان همّها الأول أن تخفف عنهما وأن تُبقي ردّ فعلها متماسكاً قدر الإمكان.
عند عودتها إلى ليبيا، واجهت الصدمة الحقيقية، لم يكن الاستقبال تهنئة بالسلامة بل بكاء وحزن، وكأنها عادت إلى نقطة الصفر، هذا التعامل كان الأصعب؛ شعرت وكأن ما عاشته من قبل قد مُحي فجأة، غير أن مريم، قبل فقدانها البصر، كانت مضطلعة على قضايا الإعاقة وتحمل صورة إيجابية عن المكفوفين، وهو ما شكّل لها درعاً نفسياً في مواجهة نظرة المجتمع. بعناد، اختارت أن تحوّل هذا الشعور إلى دافع؛ بدلاً من إثبات نفسها للآخرين، قررت أن تثبت قيمتها لنفسها اولاً.
الإعلام كان حاضراً في حياتها منذ الطفولة. أحبّت الإذاعة المدرسية، إعداد البرامج وتقديمها، تدرجت لاحقاً في المجال الصحفي ثم الإذاعي لما يقارب عشر سنوات، متنقلة بين بنغازي وطرابلس عبر ثماني محطات مختلفة. مرّت بتجارب لم تشعر أنها تعبّر عنها، حتى عام 2018 و التي كانت نقطة انطلاق حقيقية لمسارها المهني.
بدأت العمل في إذاعة “جوّك” كمقدمة برامج، ثم خاضت تجربة البرامج المرئية، في مجال اعتاد وجود مكفوفين خلف الميكروفون فقط إلى حد أنها لم تسمع بمذيع كفيف سبقها إلى هذا الموقع. بعض الجهات لم تكن مقتنعة تماماً بقدرتها، لكنها اختارت أن تترك العمل ليتحدث عنها، مع الوقت بدأ الاعتراف بها كمهنية، لا كحالة استثنائية.
تدرك مريم اليوم أن الإعاقة بحد ذاتها ليست المشكلة، بل البيئة المحيطة. تلاحظ الفارق بينها وبين تجارب خارج ليبيا حيث كانت البُنية الداعمة وحرية التنقل أكثر حضوراً قبل عقد وأكثر من الزمن، ومع ذلك، ترى نفسها محظوظة لأن فقدان بصرها قد تزامن مع تطور التكنولوجيا التي سهّلت عليها كثيراً في تفاصيل حياتها وعملها.
انطلاقاً من هذا الوعي، أطلقت سلسلة فيديوهات بعنوان “كيف أديري فيها”، تجمع فيها أسئلة الناس عن تفاصيل الحياة اليومية، محاولةً لكسر فضولهم وتقديم صورة عملية عن أساليب مختلفة للعيش، كان جمهورها الأساسي المجتمع نفسه، أولئك الذين لم تتح لهم فرصة التعرّف على الفئات المختلفة في مجتمعنا.
اليوم، وبعد أن حققت معظم ما حلُمت به منذ الصِّغر، تؤمن مريم بأن القدرة على الإنجاز لا ترتبط بحاسة معينة، بل بالقدرة على إيجاد البديل، و أن على الإنسان الإستثمار بما لديه وأن يطلب المساعدة حين يحتاجها، دون أن يختزل نفسه فيما ينقصه.
مريم، بينما تمسك الميكروفون، تعرف أن لديها الكثير مما تريد قوله حتى لو لم يسعها الوقت دائماً، و ما يدفعها لبدل المزيد، كما تقول، هو الشغف؛ بحثها الدائم عنه في التفاصيل الصغيرة، لأنه الشيء الوحيد القادر على جعل الطريق أخف، مهما تعددت تعرجاته.