
Short story
"الفن وُلد معي!"
by Hadaya Alwalid
"كيف يمكن لفنان أن يمثل المجتمع الليبي؟"
تخبرها عائلتها أن الرسم رافقها منذ طفولتها المبكرة؛ كانت ترسمهم، وترسم على الجدران. ما زالت إحدى رسوماتها التي أنجزتها في الرابعة من عمرها باقية على جدار المنزل حتى اليوم. في حصص الرسم، كانت ترسم لزملائها وتعلّمهم كيف يرسمون. ومع مرور الوقت، بدأ من حولها يصفونها بالموهوبة.
تقول وفاء خليفة "لم أعبّر بالكلام بقدر ما أعبّر بالرسم. لم يكن الفن قراراً اتخذته، ولا مهارة تعلّمتها لاحقًا، بل جزءًا أصيلًا من هويّتي"
عندما فكَّرت في الرسم كمجال أكاديمي، لم تجد في الكلية دعمًا حقيقيًا لهذا التوجه. التربية الفنية تتعامل مع الفن كمنهج لا كأداة صقل للمواهب، فلم تشعر بأنها بيئة محفزة يمكن أن تطوّرها أو تضيف لها شيئًا؛ في الغالب يُنظر إلى التخصصات من زاوية العائد الاقتصادي و المُسمّى، وعند سؤالها لخريجي التربية الفنية، وجدت أنهم يعانون من المشكلة ذاتها حتى يومنا هذا، وبما أن تحصيلها العلمي كان مرتفعًا، طُلب منها اختيار مجال “يستحق” هذا التحصيل.
في البيضاء، كانت النظرة محدودة. لا يزال الفن بلا معنى، وكانت الآراء السائدة والبيئة المحيطة تؤثر فيها، مما دفعها لإعادة التفكير في مفهوم القيم؛ كذلك لم تكن هناك منظمات أو دعم كافٍ، وكل ما قدمته كان بجهد ذاتي.
تغيير هذه النظرة لم يكن سهلًا، خاصة في بيئة ترى فيه رفاهية لا أولوية. باستثناء دعم شقيقاتها، كانت وحدها تمامًا. لم يكن الأمر متعلقًا بكونها امرأة، بل بالفن نفسه.
في التاسعة عشرة من عمرها، شاركت في مبادرة جمعت بين جهة حكومية ومنظمات مجتمع مدني. رسمت أربع لوحات لشخصية مقلوبة، ثم قُلبت في العرض. بعد المبادرة، نجحت المنظمة في جمع تبرعات جيدة لصالح مؤسسة لرعاية الأيتام، ما مكّنها من استكمال خدماتها، شعرت وفاء بدفعة بسيطة عن قيمة ما تقوم به
في عام 2021، رسمت جدارية في مدينتها، بسببها، اختارتها احدى المنظمات ضمن 11 موهبة شابة. نُشر الحدث على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت صورها، لكن ردود الفعل كانت صادمة؛ تعليقات مسيئة طالت أخلاقها وعائلتها، وكأن وجودها لم يكن مقبولًا اذ كيف يمكن لفنان أن يمثل المجتمع الليبي؟ حينها، لم تكن مستعدة لمثل هذه التجربة، شَعرت بالصدمة، وانسحبت من المشاركة في الفعاليات، وابتعدت عن مواقع التواصل.
شعرت بأنها بلا روح، بلا هوية، رغم أن الفن وُلد معها و كان كالرسالة، كأن التوقف عنه يعني أن شيئاً ما يسير على نحو خاطئ، حتى وإن كان إنتاجها بطيئاً.
توقفت، أخذت نفسًا، وقررت أن تثبت العكس.
اتجهت لاحقًا إلى ورش العمل التابعة للمنظمات الدولية، مع الأيتام والمهاجرين. أدركت بأن العطاء للآخرين يمنحها تفريغاً نفسياً، وأن أثر الفن يمكن أن يكون جماعيًا لا فرديًا فقط. في مبادرة امتدت لعامين مع منظمة افريقية لدعم الأيتام، تعلمت كيف يمكن للفن أن يكون عملًا إنسانيًا. استفادت مؤسسة كاملة، ونحو 250 طفلًا.
تطوّعت وفاء لتعليم الرسم، وراقبت اختلاف طرق التعبير بين الفئات العمرية المختلفة
في ورشة أخرى مع منظمة محلية، عملت على مشاريع فنية للمدارس. اقترحت منسقة المشروع أن تختار طفلًا موهوباً لتتبناه فنياً. خلال زياراتهم للمدارس، لفت انتباهها شاب موهوب، فعملوا على دمجه في أنشطة المنظمة، وامتد التأثير إلى ما هو أبعد من اللوحات والجداريات.
في السابق، لم تكن تعرف كيف يمكن الربط بين الفن وتخصُصها الأكاديمي. بعد تخرجها من طب الأسنان، ركزت على الفن، وتعرّفت على التجارب الإبداعية لفنانين بين بنغازي وطرابلس، لتكتشف ما الذي تبحث عنه حقًا؛ أدركت أن طب الأسنان يمكن أن يُدمج بالفن.
صدفةً كان أحد أساتذتها يمتلك رؤية فنية ووجّهها؛ بدأت بتجربة الحشوات، وكانت ترسم مرضاها وتدوّن التشخيص مصحوبًا برسوم تعبّر عما يلهمها. هناك شعرت بأنها تكتشف شيئًا جديدًا، وبدأت العمل على مفاهيم تصميمية، وقدمتها لمدير العيادة.
دمجت التراث بالحالة النفسية، فالفم في نظرها يحكي الكثير… اقترحت التدريب في المعمل، وتمت الموافقة، ومن هناك بدأت تتعلم بشكل فعلي
تَحكي وفاء "غالباً ما تكون ردود فعل الناس خاصةً من بنغازي وطرابلس مزيجًا من الدهشة والسعادة لوجود فنانة من البيضاء، لديهم تصور مسبق بأن مثل هذه التجارب لا يمكن أن تنشأ هناك"
ركّزت على ترسيخ مفهوم أوسع للفن في بيئتها، وتؤمن بأنه إن تغيّر المنظور في مدينتها، سيتغير في مدن أخرى، فيمكّن للفنانين بيع أعمالهم، إيجاد دعم، والتعبيرعن هويتهم. ورغم المماطلة التي تواجه أي دعم بسبب اعتبار الفن غير أولوية، إلا أنها تنظر لوجودها في هذا المجتمع تحديًا إيجابيًا
ترى أن على الفنان إيصال فنّه إلى مساحات أرقى وأبعد. بالمعرفة والإطلاع، يمكن توجيه الفن ليحمل رسائل، ويعيد التذكير بالثقافة، ويقدّم صورة عن التاريخ والجذور.