
Short story
"كيف لِنساء أن يلعبن كرة القدم!"
by Hadaya Alwalid
في عام 2018، عاد الأمل لنوارة صدفةً عبر خبر قرأته عن مشاركة المنتخب الليبي للسيدات في تصفيات كأس الأمم الأفريقية "بدت الفكرة بالنسبةِ إليّ غير قابلة للتصديق، حاولت أن أتواصل معهن فإكتشفت أن المنتخب أُوقف فور وصولهن بحجة: كيف لنساء ليبيات أن يلعبن كرة القدم؟"
بدأت الحكاية في الشارع، حيث كانت الكرة تتدحرج بين البيوت. نشأت نوارة الفرجاني في بيت يعرف الرياضة، لذا؛ كان الأمر أشبه بشيء روتيني، كانت تجتمع مع بنات العائلة والجيران، يلعبن مع الأولاد بالند، لا أفضلية لأحد ومع ذلك، كانت عبارة (أنتِ بنت!) تسمع بين الفينة والأخرى كأنها تذكير بأن الندية مؤقتة؛ بلغت الخامسة عشرة، تغير المشهد، ضاق الشارع، وارتفعت الأصوات المعترضة، اختفت حصص الرياضة وتقلّصت أوقات الفراغ. لكن الكرة بقيت ملجأها السرّي
لفت انتباهها خبر عن المنتخب البرازيلي للسيدات. لمعت عيناها… نساء يلعبن كرة القدم باحتراف. تمنت حينها أن يكون لهذا المشهد وجود في ليبيا إلا أنه حينها، توقفت عن اللعب واكتفت بالمشاهدة رفقة والدها؛ كانت تلك من أصعب الفترات على نوارة؛ أن يصطدم شغفك ببيئة لا تعترف به
قد يغيّر نظرتك عن الإنتماء
في عام 2018 تحديداً شاهدت خبراً عن مشاركة المنتخب الليبي للسيدات في بطولة قارية، حاولت التواصل مع إحدى اللاعبات فأبلغت أن المنتخب أوقف، فقط لأن نساء يلعبن كرة القدم، كان شعور الإحباط حنيذٍ لا يوصف ولكن بعد عام، وبالصدفة، ظهر إعلان عن استقبال طلبات الانضمام للجنة كرة القدم النسائية؛ عاد الأمل. انضمّت، ووجدت تنوعاً حقيقيا في الأعمار والخلفيات، لكن الطريق لم يكن سهلاً؛ ملاعب تغلق دون مبرر، أعذار متكررة، وعدم اعتبارهنّ بجدية، رغم أن كل الجهود ذاتية، كان الحكم دائماً على النتائج، ومع ذلك يعدن للتدريب، فهن يعرفن أن الكرة ليست جسداً فقط، بل عقل، ومساحة، وإيمان. حلمهن لم يكن بطولة، بل ملعبا حقيقياً
استطعن بعد عدة جهود أن يدخلن ملعباً رسمياً لأول مرة، لم يركضن مباشرة، لمسن العشب، راقبن الكرة، وتنفسن بعمق كانت لحظة اعتراف صامتة بأنهن موجودات…
تكررت الوعود بالمشاركة في البطولات، وتكررت الخيبات. انسحبت كثيرات، ومعهن انسحبت مواهب كبيرة. لم يكن الفشل فرديًا، بل نتيجة غياب قاعدة، وشفافية، واستمرارية. لم يكن هناك نادٍ، ولا حماية، بل عقود بأسماء لم تُوقّع، وصمت حين طُرح السؤال.
لم تتوقف المحاولة، حتى ظهر من آمن بالفكرة، من وفّر مساحة، ومن قال دون تردد: هذا مكانكن.حين جاءت المشاركة الدولية، كان الإعداد قصيرًا، والواقع صادمًا. دخلن الملعب بلا دوري، بلا خبرة كافية، تعرضن للتنمر والضغط النفسي من قِبل المُنتخب المنافس وسط المباراة و كانت الخسارة موجعة، لا بسبب النتيجة، بل لأن الفارق كشف ملفات الفساد التي لا يجرؤ التحدث عنها. ومع ذلك، لم يكن التراجع خيارًا.
في مباريات لاحقة، لعبن رغم الإصابات. وعند العودة، لم ينتظرهن تصفيق، بل كلمات و اسئلة قاسية كأن الوجود نفسه يحتاج مبرراً. توقفت بعضهن، واستمرت أخريات. واخترن هذه المرة أن يحمين اللاعبات الأصغر سناً، أن يقلن لهن الحقيقة مبكراً: لا تنتظرن شيئاً من المجتمع طالما ثقتكن و ثقة أهلكم ترافقكن
بعد حادثة التوقيف ابتعدت اللاعبات عن الاعلام، فغالبية التعليقات كانت تمسّ الأخلاق والذات، ولكننا اليوم نسأل الى متى سيظل المجتمع يحاول تفادي الامر؟ كرة القدم النسائية ليست بالجديد على ليبيا، هي حاضرة منذ عقود، و ان كانت غير أولوية عند الجميع، لكنها حق. في بلدٍ يصعب فيه الإستقرار، قد يكون الحل أحيانًا أن تصنع مكانك بيدك، حتى لو كان ذلك المكان ملعبًا.