we speak
Short story

"كل دكتور نفسي هو مريض نفسي كذلك…!"

by Hadaya Alwalid

تقول يُسرى عمار: "عند اختياري لتخصص الطب النفسي كانت ردة فعل محيطي بأن كل دكتور نفسي هو مريض نفسي كذلك!" أثناء دراستها في كليّة الطب، أخبرها زملاؤها في مادة علوم السلوك بأن هذا المجال يناسبها. ثم، وفي سنة الامتياز، صادف أن أخبرها أحد المدرّسين بشكل عشوائي أن تفكر في تخصص الطب النفسي، لأنه لاحظ قدرتها على التعامل مع مشاعر الناس. حينها، لم تُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا. لم يكن هناك تعمّق في شرح النظريات المتعلّقة بجزئية الامراض النفسية و اعراضها الجسدية، لذا كان الأمر غامضاً بالنسبةِ لها، فشعرت بالشغف نحو اكتشافه. قرارها بأن يكون تخصصها الطبي هو المجال الذي ستكرّس له نفسها حتى النهاية دفعها لقراءة عدة كتب، من بينها (كيف أختار تخصصي الطبي). عندها بدأت ترى رابطًا بين المواقف السابقة، لكن السؤال، ماذا تعرف عن نفسها أولًا، حتى تستطيع فهم الآخرين؟ لم يكن القرار سهلًا. فإختيار هذا التخصص بعد ما يقارب عشر سنوات من دراسة الطب كان يُنظر إليه وكأنه عودة إلى نقطة الصفر، أو ما يشبه "إعدام المسار المهني". تكررت عبارة "كل طبيب نفسي هو مريض نفسي". ومع ذلك، وبعد هذا الرفض، كانت تسمع من بعضهم اعترافًا صريحًا بأن هذا المجال أصبح اليوم حاجة فعلية. وهو بالضبط ما أرادت يسرى أن تقدّمه. في بدايات دراستها، أدركت مدى حساسيتها تجاه مشاعر الآخرين. فالمشاعر تشكّل النسبة الأكبر من العقل اللاواعي. هنا بدأت تتساءل: كيف يعيش الناس دون معرفة حقيقية بأنفسهم؟ دون فهم لطبيعة مشاعرهم؟ وكيف يتعاملون مع الحياة بهذه الفجوة؟ دفعها ذلك إلى مشاهدة أفلام وثائقية وقراءة نظريات نفسية لفهم المجال عن قرب. أدركت حينها تأثير المشاعر العميق على الصحة الجسدية، وعلى القرارات المصيرية، ورغم ذلك، ظل هذا التخصص في نظرها مظلومًا، لا داخل المجتمع الليبي فقط، بل عالميًا أيضًا. خلال عملها كطبيبة في مستشفى نفسي عام، كانت تصف أدوية مضادة للاكتئاب لأشخاص يعانون منذ سنوات طويلة دون تحسن ملموس. هنا تساءلت عن مدى أهمية هذا المجال، لذا توجّهت الى التوعية بالصحة النفسية كخطوة أولى. فذلك، في نظرها، ما يمكن أن يحمي المجتمع من كثير من الأمراض المتوقع ازديادها في مجتمعنا للسنوات القادمة. من هنا، اتجهت إلى العمل مع المنظمات الدولية، واتخذت من العافية النفسية مجالًا مهنيًا. ترى يُسرى في وقتنا الحالي أن معالجنا النفسي غالبًا ما يكون صديقًا أو فردًا من العائلة. لكن عند تناقض الأفكار، يصبح هذا الدعم محدودا، لأن الجميع في المستوى الإدراكي ذاته. بالرغم من الاهتمام المتزايد لبعض الدول العربية بالصحة النفسية، يُنظر إليها في ليبيا على أنها رفاهية. وتوضح ذلك بقولها: "من الصعب أن تتحدث عن الراحة النفسية لشخص لا يستطيع تأمين معيشته" فالمجتمع الذي عاش الحروب لا يزال وعيه منصبًا على الاحتياجات الأساسية، ولهذا غالبًا ما يأتي العلاج النفسي في مرحلة ما بعد الأزمات. من خلال هذه التجارب، وُلدت مبادرة "موجة"، التي قدمت من خلالها تدريبات تهدف إلى تعزيز وعي الفرد بذاته بطريقة صحيحة، انطلاقًا من قناعة بأن هذا الوعي هو ما يغيّر كل شيء: النفس، العائلة، والمجتمع. وبالتوازي، ساعدتها موجة على بناء هويتها المهنية بالشكل الذي يشبهها. بدأ الأمر من دائرتها القريبة، حيث أصبح أصدقاؤها يلجأون إليها بصفتها طبيبة نفسية لا مجرد صديقة. في إحدى الفعاليات، اكتشفت صدفةً أن إحدى المسؤولات عن مشروع كانت عميلة سابقة لها، لحظة أكدت لها أن الأثر الحقيقي قد يحدث بصمت، عندما يُنجز العمل بحب واهتمام. ما يدفعها للاستمرار هو إيمانها بأن رسالتها تكمن في نشر الراحة بين الناس، وأن كل أثر تراه في غيرها هو قيمة تضاف إليها. تصف هذا المجال بأنه "للشجعان فقط" لمن يقبل إنسانيته، وضعفه، ونقصه؛ حين يعرض الناس أضعف نقاطهم، يصبح من لا يتقبل ضعفه عاجزًا عن تقبل الآخرين. الشجاعة هنا، في نظرها، هي أن تتعلّم، وتراقب، وتتقبّل بِصبر، لأن هذا المجال يتطلب أمانة عالية وإخلاصًا حقيقيًا حتى نصل الى التغيير.
Log in to rate this text