
Short story
"متى تستيقظ هؤلاء المحاربات فينا!"
by Hadaya Alwalid
“أنا إنسانة أحب أن أعبّر عن ذاتي، لستُ الكل، لكنني جزء من فسيفساء، أحب أن أُسهم في تشكيل اللوحة الكاملة،
وأن أترك أثرًا جميلًا يُذكر بالخير"
وُلدت نجلاء الشفتري في عائلة متفهمة، محبة، وداعمة للفن. لم تكن الأسرة يومًا عائقًا؛ تدرك أن الإحباط حين يأتي من الدائرة الأولى يكون الأشد قسوة، لذا لم تألفه، فكان والدها يرسم معها ومع إخوتها، فتحول الرسم إلى عادة يومية، ثم إلى هواية، ثم إلى جزء من شخصيتها، فلم ترى نفسها يومًا بعيدةً عنه.
في سنواتها الأولى، لم يكن الفن مجالًا مفتوحًا أو مفهومًا اجتماعيًا كما هو اليوم و كانت الأسئلة المحاطة به عن ما جدواه و لما، وماذا يمكن أن يكون مستقبله؟
لكن العائلة احتوت هذا القلق، ولم يتدخّل الشك إلى مسارها، و ظل الفن بالنسبة لها ملجأً وشفاءً، ولغة بصرية تعبّر بها عن ذاتها.
درست ثلاث سنوات في معهد متخصص في الفنون، على يد أساتذة من أوائل خريجي كلية الفنون، ثم التحقت بالكلية نفسها، لم يكن التخصص بسيطًا أو هامشيًا كما يُعتقد؛ بل جمع بين الكيمياء والتشريح والفهم النظري والإنتاج العملي، رغم ذلك، كانت الكلية آنذاك من أكثر المؤسسات الثقافية المهمشة، على عكس الحماس الكبير في إيصال الرسالة والقيمة
دفعها حبّها للتمرّد على المواد التقليدية داخل اللوحة الواحدة الى الإختلاف، عن محتوى لا يعتمد على التكلفة، بل على الفكرة
شاركت نجلاء في المعارض خلال فترة دراستها، كان أول ظهور لها في معرض ثنائي عام 2005، قدّمت تجربة خارجة عن المألوف، لاقى المعرض صدى طيبًا، لكنه أثار أيضًا مخاوف لدى بعض الأجيال الأكبر سناً، اذ كان التساؤل عن "ما مصير هؤلاء الفتيات؟" في إشارة أن مهما بدلن من جهد، فالعودة غالباً الى الروتين المنزلي. اختارت الرد بالفِعل: فكرة جديدة، ومعرض آخر، ومشروع يؤكد أن ما
تقدمه ليس فقاعة مؤقتة، بل مسارًا واضحًا.
في بدايات التخرج، سافرت، واشتغلت مع فنان أجنبيّ في ترميم اللوحات، لم تكن تميل إلى التوجيه المباشر، بل إلى تلقي المعرفة المجرّدة. عادت إلى ليبيا محمّلة بالتجربة والمشاهدة، مما فتح أمامها مساحات جديدة للتجريب، حيث بدأت العمل بالخيوط والورق، رغم ضعف الإمكانيات
وندرة المواد وارتفاع تكلفتها انذاك.
عملت لاحقًا أستاذة للفنون، بطريقة مختلفة عن النمط السائد؛ تحفّز الأطفال على التخيل، وتلاحظ بينهم مواهب حقيقية. ترى أن الحصة الفنية هي المطبخ الحقيقي للذكاء، إذ تتيح للطفل أن يختبر حواسه ويعبّر بلغته الخاصة. مؤمنةً أن الفن لغة يفهمها الجميع.
ساهمت في دعم عدد من الطلبة لاكتشاف ذواتهم كفنانين. ومع مرور الوقت، حين عاد بعضهم ليخبرها أنها كانت سببًا في اختيارهم لهذا الطريق، أدركت قيمة الأثر البعيد.
مرّت بفترات شعرت فيها بالإرهاق، خاصةً مع تراجع الاهتمام بالفنون، وإلغاء حصصها. حين تقارن الماضي بالحاضر، تتذكر زمنًا كانت فيه الموسيقى والرياضة والرسم جزءاً أساسياً من التعليم.
اليوم، الطفل محاط بأثر الحرب وغياب التنفيس، بينما يعتمد العالم الخارجي على الفن كأداة علاجية أساسية…
ترى نجلاء أن المجتمع لوحة كبيرة، لا أبطال فيها. لكنها تعي أنها كسرت حاجزًا حينما تناولت موضوعات سياسية واجتماعية عام 2014، وقدّمت إسقاطات على قضايا المرأة. في ذلك الوقت، لم يكن هذا الطرح شائعًا بين الفنانات.
رغم توقعها ردود فعل قاسية، إلا أن التهديد لم يكن بسبب العمل الفني ذاته، بل بسبب حضورها العلني باسمها وهويتها.
مثّلت ليبيا في مصر والسنغال والمغرب، وشاركت في إيطاليا. في أول مشاركة دولية لها بمصر، لاحظت دهشة الآخرين من وجود فن ليبي، ومن صورتها كامرأة "محجبة" في ربط مباشر بين الفن والتحرر.
في إيطاليا، كانت التجربة مختلفة. شاركت في فلورنسا والبندقية ضمن خط فني واضح. ورغم اختلاف الموضوعات المطروحة، وجدت احترامًا لثقافة الآخر وفنه.
أما في ليبيا، تشعر أن الفنان لا يزال يبني المتلقي، في ظل غياب الاستقرار والدعم، حيث يبقى الإنتاج جهدًا فرديًا أكثر منه مشروعًا جماعيًا.
قدّمت أعمالًا ضمن سلسلة "الخرّافات الليبية"، تناولت فيها شخصيات نسائية مثل الأمازونيات، ما أثار جدلًا واسعًا. وُجهت لها اتهامات لا تعبّر عن نواياها، لكنها تعلم ان الفن بالنسبة لها ليس للزينة أو الوجاهة، بل فعل وعي، فالفكرة جاءت من تساؤل ما دور المرأة الليبية في الظروف الصعبة؟ فكانت فكرة الأمازونيات متجسّدة في صرخة صامتة تسأل " متى تستيقظ هؤلاء المحاربات فينا؟"
يتكرر في أعمالها حضور الإنسان المجرّد: المشاعر، والحالات المشتركة، والتجربة الإنسانية. ترى أنها تنجز حين تصل اللوحة دون شرح.بعضها تكون سهلة لتترجم، وبعضها تكون قوية لأن تُرسم
جرّدت المرأة والرجل من أدوارهم الاجتماعية، ونظرت إليهم كأرواح، بحكم المعطيات والظروف الصادمة احياناً، خلقت قضايا علينا الحديث عنها
ليس بالضرورة ان نقوم بحلّها، بل فقط بالاشارة عليها؛ حتى إن كان هناك أساس قانوني، دائماً ما يصِدمنا الواقع.
تؤمن نجلاء أن من يشعر بالشعلة داخله عليه أن يتبعها. فالإحباط حين يبدأ من الداخل هو الأصعب. ورغم عنف العالم، يبقى الوعي بمرحلة ما بعد الحرب عنصرًا مفسّرًا لا مبرّرًا.
و ترى في الفن، رغم بساطته، أداةً مساعدة في التفكير والتعبير، لا يشترط الموهبة بقدر ما يحتاج إلى التجربة، و وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تقريبه إلى الناس. الجمهور اليوم متعطش لما يعيد له الإحساس بالحياة، ويمنحه أملًا بسيطًا بأن الغد قد يكون أفضل.